تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 47

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) (البقرة)

نِدَاء مُضَاف عَلَامَة النَّصْب فِيهِ الْيَاء , وَحُذِفَتْ مِنْهُ النُّون لِلْإِضَافَةِ . الْوَاحِد اِبْن وَالْأَصْل فِيهِ بَنِي وَقِيلَ بَنُو فَمَنْ قَالَ الْمَحْذُوف مِنْهُ وَاو اِحْتَجَّ بِقَوْلِهِمْ الْبُنُوَّة وَهَذَا لَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا الْفُتُوَّة وَأَصْله الْيَاء , وَقَالَ الزَّجَّاج الْمَحْذُوف مِنْهُ عِنْدِي يَاء كَأَنَّهُ مِنْ بَنَيْت الْأَخْفَش اِخْتَارَ أَنْ يَكُون الْمَحْذُوف مِنْهُ الْوَاو لِأَنَّ حَذْفَهَا أَكْثَر لِثِقَلِهَا , وَيُقَال اِبْن بَيِّن الْبُنُوَّة وَالتَّصْغِير بُنَيّ قَالَ الْفَرَّاء : يُقَال يَا بُنَيِّ وَيَا بُنَيَّ لُغَتَانِ مِثْل يَا أَبَتِ وَيَا أَبَتَ , وَقُرِئَ بِهِمَا وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ الْبِنَاء , وَهُوَ وَضْع الشَّيْء عَلَى الشَّيْء , وَالِابْن فَرْع لِلْأَبِ , وَهُوَ مَوْضُوع عَلَيْهِ , وَإِسْرَائِيل هُوَ يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمْ السَّلَام قَالَ أَبُو الْفَرَج الْجَوْزِيّ : وَلَيْسَ فِي الْأَنْبِيَاء مَنْ لَهُ اِسْمَانِ غَيْره إِلَّا نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ لَهُ أَسْمَاء كَثِيرَة ذَكَرَهُ فِي كِتَاب " فُهُوم الْآثَار " لَهُ . قُلْت : وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَسِيح إِنَّهُ اِسْم عَلَم لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام غَيْر مُشْتَقّ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّه رُوحًا وَكَلِمَة , وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ أَبِيل الْأَبِيلِينَ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ فِي الصِّحَاح وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ فِي " دَلَائِل النُّبُوَّة " عَنْ الْخَلِيل بْن أَحْمَد خَمْسَة مِنْ الْأَنْبِيَاء ذَوُو اِسْمَيْنِ مُحَمَّد وَأَحْمَد نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِيسَى وَالْمَسِيح وَإِسْرَائِيل وَيَعْقُوب وَيُونُس وَذُو النُّون وَإِلْيَاس وَذُو الْكِفْل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ قُلْت : ذَكَرْنَا أَنَّ لِعِيسَى أَرْبَعَة أَسْمَاء وَأَمَّا نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ أَسْمَاء كَثِيرَة بَيَانهَا فِي مَوَاضِعهَا وَإِسْرَائِيل اِسْم أَعْجَمِيّ وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِف وَهُوَ فِي مَوْضِع خَفْض بِالْإِضَافَةِ وَفِيهِ سَبْع لُغَات إِسْرَائِيل وَهِيَ لُغَة الْقُرْآن وَإِسْرَائِيل بِمَدَّةٍ مَهْمُوزَة مُخْتَلَسَة حَكَاهَا شَنَّبُوذ عَنْ وَرْش وَإِسْرَائِيل بِمَدَّةٍ بَعْد الْيَاء مِنْ غَيْر هَمْز وَهِيَ قِرَاءَة الْأَعْمَش وَعِيسَى بْن عُمَر وَقَرَأَ الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ بِغَيْرِ هَمْز وَلَا مَدّ وَإِسْرَائِل بِغَيْرِ يَاء بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَة وَإِسْرَاءَل بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَة وَتَمِيم يَقُولُونَ إِسْرَائِين بِالنُّونِ وَمَعْنَى إِسْرَائِيل عَبْد اللَّه قَالَ اِبْن عَبَّاس ( إِسْرَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ هُوَ عَبْد وَإِيل هُوَ اللَّه . ) وَقِيلَ إِسْرَا هُوَ صَفْوَة اللَّه وَإِيل هُوَ اللَّه وَقِيلَ إِسْرَا مِنْ الشَّدّ فَكَأَنَّ إِسْرَائِيل الَّذِي شَدَّهُ اللَّه وَأَتْقَنَ خَلْقه ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ , وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : سُمِّيَ إِسْرَائِيل ; لِأَنَّهُ أَسْرَى ذَات لَيْلَة حِين هَاجَرَ إِلَى اللَّه تَعَالَى فَسُمِّيَ إِسْرَائِيل أَيْ أَسْرَى إِلَى اللَّه وَنَحْو هَذَا فَيَكُون بَعْض الِاسْم عِبْرَانِيَّا وَبَعْضه مُوَافِقًا لِلْعَرَبِ وَاَللَّه أَعْلَم .


الذِّكْر اِسْم مُشْتَرَك , فَالذِّكْر بِالْقَلْبِ ضِدّ النِّسْيَان وَالذِّكْر بِاللِّسَانِ ضِدّ الْإِنْصَات وَذَكَرْت الشَّيْء بِلِسَانِي وَقَلْبِي ذِكْرًا وَاجْعَلْهُ مِنْك عَلَى ذُكْر ( بِضَمِّ الذَّال ) أَيْ لَا تَنْسَهُ قَالَ الْكِسَائِيّ مَا كَانَ بِالضَّمِيرِ فَهُوَ مَضْمُوم الذَّال وَمَا كَانَ بِاللِّسَانِ فَهُوَ مَكْسُور الذَّال وَقَالَ غَيْره هُمَا لُغَتَانِ يُقَال ذِكْر وَذُكْر , وَمَعْنَاهُمَا وَاحِد وَالذَّكَر ( بِفَتْحِ الذَّال ) خِلَاف الْأُنْثَى وَالذِّكْر أَيْضًا الشَّرَف وَمِنْهُ قَوْله " وَإِنَّهُ لَذِكْر لَك وَلِقَوْمِك " [ الزُّخْرُف 44 ] قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ وَالْمَعْنَى فِي الْآيَة اُذْكُرُوا شُكْر نِعْمَتِي فَحَذَفَ الشُّكْر اِكْتِفَاء بِذِكْرِ النِّعْمَة وَقِيلَ إِنَّهُ أَرَادَ الذِّكْر بِالْقَلْبِ وَهُوَ الْمَطْلُوب أَيْ لَا تَغْفُلُوا عَنْ نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ وَلَا تَنَاسَوْهَا وَهُوَ حَسَن وَالنِّعْمَة هُنَا اِسْم جِنْس فَهِيَ مُفْرَدَة بِمَعْنَى الْجَمْع قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّه لَا تُحْصُوهَا " [ إِبْرَاهِيم : 34 ] أَيْ نِعَمه وَمِنْ نِعَمه عَلَيْهِمْ أَنْ أَنْجَاهُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْن وَجَعَلَ مِنْهُمْ أَنْبِيَاء وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْكُتُب وَالْمَنّ وَالسَّلْوَى وَفَجَّرَ لَهُمْ فِي الْحَجَر الْمَاء إِلَى مَا اِسْتَوْدَعَهُمْ مِنْ التَّوْرَاة الَّتِي فِيهَا صِفَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْته وَرِسَالَته , وَالنِّعَم عَلَى الْآبَاء نِعَم عَلَى الْأَبْنَاء لِأَنَّهُمْ يَشْرُفُونَ بِشَرَفِ آبَائِهِمْ تَنْبِيه : قَالَ أَرْبَاب الْمَعَانِي رَبَطَ سُبْحَانه وَتَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيل بِذِكْرِ النِّعْمَة وَأَسْقَطَهُ عَنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَاهُمْ إِلَى ذِكْره فَقَالَ " اُذْكُرُونِي أَذْكُركُمْ " [ الْبَقَرَة : 152 ] لِيَكُونَ نَظَر الْأُمَم مِنْ النِّعْمَة إِلَى الْمُنْعِم وَنَظَر أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُنْعِم إِلَى النِّعْمَة


يُرِيد عَلَى عَالَمَيْ زَمَانهمْ , وَأَهْل كُلّ زَمَان عَالَم . وَقِيلَ : عَلَى كُلّ الْعَالَمِينَ بِمَا جَعَلَ فِيهِمْ مِنْ الْأَنْبِيَاء وَهَذَا خَاصَّة لَهُمْ وَلَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ

تاريخ الحفظ: 21/5/2026 3:51:58
المصدر: https://wahaqouran.com/t-2-4-47.html