وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) (البقرة)
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْن النَّاس } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَلَا تَجْعَلُوهُ عِلَّة لِأَيْمَانِكُمْ , وَذَلِكَ إذَا سُئِلَ أَحَدكُمْ الشَّيْء مِنْ الْخَيْر وَالْإِصْلَاح بَيْن النَّاس , قَالَ : عَلَيَّ يَمِين بِاَللَّهِ أَلَّا أَفْعَل
ذَلِكَ , أَوْ قَدْ حَلَفْت بِاَللَّهِ أَنْ لَا أَفْعَلهُ . فَيَعْتَلّ فِي تَرْكه فِعْل الْخَيْر وَالْإِصْلَاح بَيْن النَّاس بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3481 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ ابْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } قَالَ : هُوَ الرَّجُل يَحْلِف عَلَى الْأَمْر الَّذِي لَا يَصْلُح , ثُمَّ يَعْتَلّ بِيَمِينِهِ يَقُول اللَّه : { إنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا } هُوَ خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَمْضِي عَلَى مَا لَا يَصْلُح , وَإِنْ حَلَفْت كَفَّرْت عَنْ يَمِينك وَفَعَلْت الَّذِي هُوَ خَيْر لَك . * - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْدَ بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ مَعْمَر ; عَنْ ابْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ مِثْله , إلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَإِنْ حَلَفْت فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينك , وَافْعَلْ الَّذِي هُوَ خَيْر . 3482 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه عَنْ إسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , عَمَّنْ حَدَّثَهُ , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْن النَّاس } قَالَ : هُوَ أَنْ يَحْلِف الرَّجُل أَنْ لَا يُكَلِّم قَرَابَته وَلَا يَتَصَدَّق , أَوْ يَكُون بَيْنه وَبَيْن إنْسَان مُغَاضَبَة , فَيَحْلِف لَا يُصْلِح بَيْنهمَا وَيَقُول : قَدْ حَلَفْت , قَالَ : يُكَفِّر عَنْ يَمِينه , { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } . 3483 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا } يَقُول : لَا تَعْتَلُّوا بِاَللَّهِ أَنْ يَقُول أَحَدكُمْ : إنَّهُ تَأَلَّى أَنْ لَا يَصِل رَحِمًا , وَلَا يَسْعَى فِي صَلَاح , وَلَا يَتَصَدَّق مِنْ مَاله , مَهْلًا مَهْلًا ! بَارَكَ اللَّه فِيكُمْ ! فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآن إنَّمَا جَاءَ بِتَرْكِ أَمْر الشَّيْطَان , فَلَا تُطِيعُوهُ , وَلَا تُنَفِّذُوا لَهُ أَمْرًا فِي شَيْء مِنْ نُذُوركُمْ وَلَا أَيْمَانكُمْ . 3484 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } قَالَ : هُوَ الرَّجُل يَحْلِف لَا يُصْلِح بَيْن النَّاس وَلَا يَبَرّ , فَإِذَا قِيلَ لَهُ قَالَ : قَدْ حَلَفْت . 3485 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : سَأَلْت عَطَاء عَنْ قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْن النَّاس } قَالَ : الْإِنْسَان يَحْلِف أَنْ لَا يَصْنَع الْخَيْر الْأَمْر الْحَسَن يَقُول حَلَفْت , قَالَ اللَّه : افْعَلْ الَّذِي هُوَ خَيْر , وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينك , وَلَا تَجْعَل اللَّه عُرْضَة . 3486 - حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ . . . } الْآيَة , هُوَ الرَّجُل يُحَرِّم مَا أَحَلَّ اللَّه لَهُ عَلَى نَفْسه , فَيَقُول : قَدْ حَلَفْت فَلَا يَصْلُح إلَّا أَنْ أَبَرّ يَمِينِي , فَأَمَرَهُمْ اللَّه أَنْ يُكَفِّرُوا أَيْمَانهمْ , وَيَأْتُوا الْحَلَال . 3487 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْن النَّاس } أَمَّا { عُرْضَة } فَيَعْرِض بَيْنك وَبَيْن الرَّجُل الْأَمْر , فَتَحْلِف بِاَللَّهِ لَا تُكَلِّمهُ وَلَا تَصِلهُ , وَأَمَّا { تَبَرُّوا } فَالرَّجُل يَحْلِف لَا يَبَرّ ذَا رَحِمه , فَيَقُول : قَدْ حَلَفْت , فَأَمَرَ اللَّه أَنْ لَا يَعْرِض بِيَمِينِهِ بَيْنه وَبَيْن ذِي رَحِمه , وَلْيَبَرَّهُ وَلَا يُبَالِي بِيَمِينِهِ , وَأَمَّا { تُصْلِحُوا } فَالرَّجُل يُصْلِح بَيْن الِاثْنَيْنِ فَيَعْصِيَانِهِ , فَيَحْلِف أَنْ لَا يُصْلِح بَيْنهمَا , فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصْلِح وَلَا يُبَالِي بِيَمِينِهِ , وَهَذَا قَبْل أَنْ تَنْزِل الْكَفَّارَات . 3488 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ هُشَيْم , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم فِي قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } قَالَ : يَحْلِف أَنْ لَا يَتَّقِي اللَّه وَلَا يَصِل رَحِمه وَلَا يُصْلِح بَيْن اثْنَيْنِ , فَلَا يَمْنَعهُ يَمِينه . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَعْتَرِضُوا بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ فِي كَلَامكُمْ فِيمَا بَيْنكُمْ , فَتَجْعَلُوا ذَلِكَ حُجَّة لِأَنْفُسِكُمْ فِي تَرْك فِعْل الْخَيْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3489 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } يَقُول : لَا تَجْعَلنِي عُرْضَة لِيَمِينِك أَنْ لَا تَصْنَع الْخَيْر , وَلَكِنْ كَفِّرْ عَنْ يَمِينك وَاصْنَعْ الْخَيْر . 3490 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْن النَّاس } كَانَ الرَّجُل يَحْلِف عَلَى الشَّيْء مِنْ الْبِرّ وَالتَّقْوَى وَلَا يَفْعَلهُ , فَنَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا } . 3491 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَة عَنْ إبْرَاهِيم فِي قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } قَالَ : هُوَ الرَّجُل يَحْلِف أَنْ لَا يَبَرّ قَرَابَته وَلَا يَصِل رَحِمه وَلَا يُصْلِح بَيْن اثْنَيْنِ . يَقُول : فَلْيَفْعَلْ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينه . 3492 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد , عَنْ إبْرَاهِيم النَّخَعِيّ فِي قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْن النَّاس } قَالَ : لَا تَحْلِف أَنْ لَا تَتَّقِي اللَّه , وَلَا تَحْلِف أَنْ لَا تَبَرّ وَلَا تَعْمَل خَيْرًا , وَلَا تَحْلِف أَنْ لَا تَصِل , وَلَا تَحْلِف أَنْ لَا تُصْلِح بَيْن النَّاس , وَلَا تَحْلِف أَنْ تَقْتُل وَتَقْطَع . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ دَاوُد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَمُغِيرَة عَنْ إبْرَاهِيم فِي قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة . . . } الْآيَة , قَالَا : هُوَ الرَّجُل يَحْلِف أَنْ يَبَرّ وَلَا يَتَّقِي وَلَا يُصْلِح بَيْن النَّاس , وَأُمِرَ أَنْ يَتَّقِي اللَّه , وَيُصْلِح بَيْن النَّاس , وَيُكَفِّر عَنْ يَمِينه . 3493 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } فَأُمِرُوا بِالصِّلَةِ وَالْمَعْرُوف وَالْإِصْلَاح بَيْن النَّاس , فَإِنْ حَلَفَ حَالِف أَنْ لَا يَفْعَل ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْهُ وَلْيَدَعْ يَمِينه . 3494 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } الْآيَة , قَالَ ذَلِكَ فِي الرَّجُل يَحْلِف أَنْ لَا يَبَرّ وَلَا يَصِل رَحِمه وَلَا يُصْلِح بَيْن النَّاس , فَأَمَرَهُ اللَّه أَنْ يَدَع يَمِينه وَيَصِل رَحِمه وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَيُصْلِح بَيْن النَّاس . 3495 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن حَرْب , قَالَ : ثنا ابْن لَهِيعَة , عَنْ أَبِي الْأَسْوَد , عَنْ عُرْوَة , عَنْ عَائِشَة فِي قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْن النَّاس } قَالَتْ : لَا تَحْلِفُوا بِاَللَّهِ وَإِنْ بَرَرْتُمْ . 3496 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : حُدِّثْت أَنَّ قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } الْآيَة , نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْر فِي شَأْن مِسْطَح . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا ابْن فُضَيْل , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } الْآيَة , قَالَ : يَحْلِف الرَّجُل أَنْ لَا يَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ , وَلَا يَنْهَى عَنْ الْمُنْكَر , وَلَا يَصِل رَحِمه . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , ثنا سُوَيْد , أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ هُشَيْم , عَنْ الْمُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم فِي قَوْله : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } قَالَ : يَحْلِف أَنْ لَا يَتَّقِي اللَّه , وَلَا يَصِل رَحِمه , وَلَا يُصْلِح بَيْن اثْنَيْنِ , فَلَا يَمْنَعهُ يَمِينه . 3497 - حَدَّثَنِي ابْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة , عَنْ سَعِيد , عَنْ مَكْحُول أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } قَالَ : هُوَ أَنْ يَحْلِف الرَّجُل أَنْ لَا يَصْنَع خَيْرًا وَلَا يَصِل رَحِمه وَلَا يُصْلِح بَيْن النَّاس , نَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ تَأْوِيل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ لَا تَجْعَلُوا الْحَلِف بِاَللَّهِ حُجَّة لَكُمْ فِي تَرْك فِعْل الْخَيْر فِيمَا بَيْنكُمْ وَبَيْن اللَّه وَبَيْن النَّاس . وَذَلِكَ أَنَّ الْعُرْضَة فِي كَلَام الْعَرَب : الْقُوَّة وَالشِّدَّة , يُقَال مِنْهُ : هَذَا الْأَمْر عُرْضَة لَهُ , يَعْنِي بِذَلِكَ : قُوَّة لَك عَلَى أَسْبَابك , وَيُقَال : فُلَانَة عُرْضَة لِلنِّكَاحِ : أَيْ قُوَّة , وَمِنْهُ قَوْل كَعْب بْن زُهَيْر فِي صِفَة نُوق : مِنْ كُلّ نَضَّاخَة الذِّفْرَى إذَا عَرِقَتْ عُرْضَتهَا طَامِس الْأَعْلَام مَجْهُول يَعْنِي ب " عُرْضَتهَا " : قُوَّتهَا وَشِدَّتهَا . فَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ } إذًا : لَا تَجْعَلُوا اللَّه قُوَّة لِأَيْمَانِكُمْ فِي أَنْ لَا تَبَرُّوا , وَلَا تَتَّقُوا , وَلَا تُصْلِحُوا بَيْن النَّاس , وَلَكِنْ إذَا حَلَفَ أَحَدكُمْ فَرَأَى الَّذِي هُوَ خَيْر مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْك الْبِرّ وَالْإِصْلَاح بَيْن النَّاس فَلْيَحْنَثْ فِي يَمِينه , وَلْيَبَرَّ , وَلِيَتَّقِ اللَّه , وَلْيُصْلِحْ بَيْن النَّاس , وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينه . وَتَرَكَ ذِكْر " لَا " مِنْ الْكَلَام لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهَا وَاكْتِفَاء بِمَا ذَكَرَ عَمَّا تَرَكَ , كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْس : فَقُلْت يَمِين اللَّه أَبْرَح قَاعِدًا وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْك وَأَوْصَالِي بِمَعْنَى : فَقُلْت : يَمِين اللَّه لَا أَبْرَح . فَحَذَفَ " لَا " اكْتِفَاء بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهَا . وَأَمَّا قَوْله : { أَنْ تَبَرُّوا } فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل الْبِرّ الَّذِي عَنَاهُ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ فِعْل الْخَيْر كُلّه . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْبِرّ بِذِي رَحِمه , وَقَدْ ذَكَرْت قَائِلِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَأَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِهِ فِعْل الْخَيْر كُلّه , وَذَلِكَ أَنَّ أَفْعَال الْخَيْر كُلّهَا مِنْ الْبِرّ . وَلَمْ يُخَصِّص اللَّه فِي قَوْله { أَنْ تَبَرُّوا } مَعْنًى دُون مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبِرّ , فَهُوَ عَلَى عُمُومه , وَالْبِرّ بِذَوِي الْقَرَابَة أَحَد مَعَانِي الْبِرّ . وَأَمَّا قَوْله : { وَتَتَّقُوا } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : أَنْ تَتَّقُوا رَبّكُمْ فَتَحْذَرُوهُ وَتَحْذَرُوا عِقَابه فِي فَرَائِضه وَحُدُوده أَنْ تُضَيِّعُوهَا أَوْ تَتَعَدَّوْهَا , وَقَدْ ذَكَرْنَا تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى التَّقْوَى قَبْل . وَقَالَ آخَرُونَ فِي تَأْوِيله بِمَا : 3498 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يَحْلِف عَلَى الشَّيْء مِنْ الْبِرّ وَالتَّقْوَى لَا يَفْعَلهُ , فَنَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْن النَّاس } الْآيَة , قَالَ : وَيُقَال : لَا يَتَّقِ بَعْضكُمْ بَعْضًا بِي , تَحْلِفُونَ بِي وَأَنْتُمْ كَاذِبُونَ لِيُصَدِّقكُمْ النَّاس وَتُصْلِحُونَ بَيْنهمْ , فَذَلِكَ قَوْله : { أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا . . . } الْآيَة . وَأَمَّا قَوْله : { وَتُصْلِحُوا بَيْن النَّاس } فَهُوَ الْإِصْلَاح بَيْنهمْ بِالْمَعْرُوفِ فِيمَا لَا مَأْثَم فِيهِ , وَفِيمَا يُحِبّهُ اللَّه دُون مَا يَكْرَههُ . وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ السُّدِّيّ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ قَبْل نُزُول كَفَّارَات الْأَيْمَان , فَقَوْل لَا دَلَالَة عَلَيْهِ مِنْ كِتَاب وَلَا سُنَّة , وَالْخَبَر عَمَّا كَانَ لَا تُدْرَك صِحَّته إلَّا بِخَبَرٍ صَادِق , وَإِلَّا كَانَ دَعْوَى لَا يُتَعَذَّر مِثْلهَا وَخِلَافهَا عَلَى أَحَد . وَغَيْر مُحَال أَنْ تَكُون هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ بَعْد بَيَان كَفَّارَات الْأَيْمَان فِي سُوَره الْمَائِدَة , وَاكْتَفَى بِذِكْرِهَا هُنَاكَ عَنْ إعَادَتهَا هَهُنَا , إذْ كَانَ الْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَة قَدْ عَلِمُوا الْوَاجِب مِنْ الْكَفَّارَات فِي الْأَيْمَان الَّتِي يَحْنَث فِيهَا الْحَالِف .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه سَمِيع عَلِيم } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَاَللَّه سَمِيع لِمَا يَقُولهُ الْحَالِف مِنْكُمْ بِاَللَّهِ إذَا حَلَفَ , فَقَالَ : وَاَللَّه لَا أَبَرّ , وَلَا أَتَّقِي , وَلَا أُصْلِح بَيْن النَّاس , وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قَيْلكُمْ وَأَيْمَانكُمْ , عَلِيم بِمَا تَقْصِدُونَ وَتَبْتَغُونَ بِحَلِفِكُمْ ذَلِكَ , الْخَيْر تُرِيدُونَ أَمْ غَيْره , لِأَنِّي عَلَّام الْغُيُوب وَمَا تَضْمُرهُ الصُّدُور , لَا تَخْفَى عَلَيَّ خَافِيَة , وَلَا يَنْكَتِم عَنِّي أَمْر عُلِنَ فَظَهَرَ أَوْ خُفِيَ فَبَطَنَ , وَهَذَا مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره تَهَدَّدَ وَوَعِيد . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاتَّقُونِ أَيّهَا
النَّاس أَنَّ تُظْهِرُوا بِأَلْسِنَتِكُمْ مِنْ الْقَوْل , أَوْ بِأَبْدَانِكُمْ مِنْ الْفِعْل , مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ , أَوْ تَضْمُرُوا فِي أَنَفْسكُمْ , وَتَعْزِمُوا بِقُلُوبِكُمْ مِنْ الْإِرَادَات وَالنِّيَّات فِعْل مَا زَجَرْتُكُمْ عَنْهُ , فَتَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ مِنِّي الْعُقُوبَة الَّتِي قَدْ عَرَّفْتُكُمُوهَا , فَإِنِّي مُطَّلِع عَلَى جَمِيع مَا تُعْلِنُونَهُ أَوْ تُسِرُّونَهُ .