وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7) (هود)
بَيَّنَ أَنَّهُ الْمُنْفَرِد بِقُدْرَةِ الْإِيجَاد , فَهُوَ الَّذِي يَجِب أَنْ يُعْبَد . وَأَصْل " سِتَّة " سِدْسه , فَأَرَادُوا إِدْغَام الدَّال فِي السِّين فَالْتَقَيَا عِنْد مَخْرَج التَّاء فَغَلَبَتْ عَلَيْهِمَا . وَإِنْ شِئْت قُلْت : أُبْدِلَ فِي إِحْدَى السِّينَيْنِ تَاء وَأُدْغِمَ فِي الدَّال ; لِأَنَّك تَقُول فِي تَصْغِيرهَا : سُدَيْسَة , وَفِي الْجَمْع أَسْدَاس , وَالْجَمْع وَالتَّصْغِير يَرُدَّانِ الْأَسْمَاء إِلَى أُصُولهَا . وَيَقُولُونَ : جَاءَ فُلَان سَادِسًا وَسَادِتًا وَسَاتًّا ; فَمَنْ قَالَ : سَادِتًا أَبْدَلَ مِنْ السِّين تَاء . وَالْيَوْم : مِنْ طُلُوع الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَمْس فَلَا يَوْم ; قَالَهُ الْقُشَيْرِيّ . وَقَالَ : وَمَعْنَى " فِي سِتَّة أَيَّام " أَيْ مِنْ أَيَّام الْآخِرَة , كُلّ يَوْم أَلْف سَنَة ; لِتَفْخِيمِ خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَقِيلَ : مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا . قَالَ مُجَاهِد وَغَيْره : أَوَّلهَا الْأَحَد وَآخِرهَا الْجُمْعَة . وَذَكَرَ هَذِهِ الْمُدَّة وَلَوْ أَرَادَ خَلْقهَا فِي لَحْظَة لَفَعَلَ ; إِذْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَقُول لَهَا كُونِي فَتَكُون ; وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّم الْعِبَاد الرِّفْق وَالتَّثَبُّت فِي الْأُمُور , وَلِتَظْهَر قُدْرَته لِلْمَلَائِكَةِ شَيْئًا بَعْد شَيْء . وَهَذَا عِنْد مَنْ يَقُول : خَلْق الْمَلَائِكَة قَبْل خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَحِكْمَة أُخْرَى خَلَقَهَا فِي سِتَّة أَيَّام لِأَنَّ لِكُلِّ شَيْء عِنْده أَجَلًا . وَبَيَّنَ بِهَذَا تَرْك مُعَاجَلَة الْعُصَاة بِالْعِقَابِ ; لِأَنَّ لِكُلِّ شَيْء عِنْده أَجَلًا . وَهَذَا كَقَوْلِهِ : " وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب . فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ " [ ق : 38 ] بَعْد أَنْ قَالَ : " وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ مِنْ قَرْن هُمْ أَشَدّ مِنْهُمْ بَطْشًا " [ ق : 36 ] .
بَيَّنَ أَنَّ خَلْق الْعَرْش وَالْمَاء قَبْل خَلْق الْأَرْض وَالسَّمَاء . قَالَ كَعْب : خَلَقَ اللَّه يَاقُوتَة خَضْرَاء فَنَظَرَ إِلَيْهَا بِالْهَيْبَةِ فَصَارَتْ مَاء يَرْتَعِد مِنْ مَخَافَة اللَّه تَعَالَى ; فَلِذَلِكَ يَرْتَعِد الْمَاء إِلَى الْآن وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا , ثُمَّ خَلَقَ الرِّيح فَجَعَلَ الْمَاء عَلَى مَتْنهَا , ثُمَّ وَضَعَ الْعَرْش عَلَى الْمَاء . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس : إِنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء " فَقَالَ : عَلَى أَيّ شَيْء كَانَ الْمَاء ؟ قَالَ : عَلَى مَتْن الرِّيح . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن . قَالَ : كُنْت عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ قَوْم مِنْ بَنِي تَمِيم فَقَالَ : ( اِقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيم ) قَالُوا : بَشَّرْتنَا فَأَعْطِنَا [ مَرَّتَيْنِ ] فَدَخَلَ نَاس مِنْ أَهْل الْيَمَن فَقَالَ : ( اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْل الْيَمَن إِذْ لَمْ يَقْبَلهَا بَنُو تَمِيم ) قَالُوا : قَبِلْنَا , جِئْنَا لِنَتَفَقَّه فِي الدِّين , وَلِنَسْأَلك عَنْ هَذَا الْأَمْر مَا كَانَ ؟ قَالَ : ( كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء غَيْره وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَكَتَبَ فِي الذِّكْر كُلّ شَيْء ) ثُمَّ أَتَانِي رَجُل فَقَالَ : يَا عِمْرَان أَدْرِكْ نَاقَتك فَقَدْ ذَهَبَتْ , فَانْطَلَقْت أَطْلُبهَا فَإِذَا هِيَ يَقْطَع دُونهَا السَّرَاب ; وَاَيْم اللَّه لَوَدِدْت أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ .
أَيْ خَلَقَ ذَلِكَ لِيَبْتَلِيَ عِبَاده بِالِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِدْلَال عَلَى كَمَالِ قُدْرَته وَعَلَى الْبَعْث . وَقَالَ قَتَادَة : مَعْنَى " أَيّكُمْ أَحْسَن عَمَلًا " [ أَيّكُمْ ] أَتَمّ عَقْلًا . وَقَالَ الْحَسَن وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ : أَيّكُمْ أَزْهَد فِي الدُّنْيَا . وَذُكِرَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مَرَّ بِرَجُلٍ نَائِم فَقَالَ : يَا نَائِم قُمْ فَتَعَبَّدْ , فَقَالَ يَا رُوح اللَّه قَدْ تَعَبَّدْت , فَقَالَ ( وَبِمَ تَعَبَّدْت ) ؟ قَالَ : قَدْ تَرَكْت الدُّنْيَا لِأَهْلِهَا ; قَالَ : نَمْ فَقَدْ فُقْت الْعَابِدِينَ الضَّحَّاك : أَيّكُمْ أَكْثَر شُكْرًا . مُقَاتِل : أَيّكُمْ أَتْقَى لِلَّهِ . اِبْن عَبَّاس : أَيّكُمْ أَعْمَل بِطَاعَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا : " أَيّكُمْ أَحْسَن عَمَلًا " قَالَ : ( أَيّكُمْ أَحْسَن عَقْلًا وَأَوْرَع عَنْ مَحَارِم اللَّه وَأَسْرَع فِي طَاعَة اللَّه ) فَجَمَعَ الْأَقَاوِيل كُلّهَا , وَسَيَأْتِي فِي " الْكَهْف " هَذَا أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الِابْتِلَاء .
أَيْ دَلَلْت يَا مُحَمَّد عَلَى الْبَعْث .
وَذَكَرْت ذَلِكَ لِلْمُشْرِكِينَ لَقَالُوا : هَذَا سِحْر . وَكُسِرَتْ ( إِنْ ) لِأَنَّهَا بَعْد الْقَوْل مُبْتَدَأَة . وَحَكَى سِيبَوَيْهِ الْفَتْح .
فُتِحَتْ اللَّام لِأَنَّهُ فِعْل مُتَقَدِّم لَا ضَمِير فِيهِ , وَبَعْده " لَيَقُولُنَّ " لِأَنَّ فِيهِ ضَمِيرًا . و " سِحْر " أَيْ غُرُور بَاطِل , لِبُطْلَانِ السِّحْر عِنْدهمْ . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ
كِنَايَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .