وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) (هود)
أَيْ اِرْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَة . قَالَ الْفَرَّاء : " ثُمَّ " هُنَا بِمَعْنَى الْوَاو ; أَيْ وَتُوبُوا إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الِاسْتِغْفَار هُوَ التَّوْبَة , وَالتَّوْبَة هِيَ الِاسْتِغْفَار . وَقِيلَ : اِسْتَغْفِرُوهُ مِنْ سَالِف ذُنُوبكُمْ , وَتُوبُوا إِلَيْهِ مِنْ الْمُسْتَأْنَف مَتَى وَقَعَتْ مِنْكُمْ . قَالَ بَعْض الصُّلَحَاء : الِاسْتِغْفَار بِلَا إِقْلَاع تَوْبَة الْكَذَّابِينَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " آل عِمْرَان " مُسْتَوْفًى . وَفِي " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله : " وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا " [ الْبَقَرَة : 231 ] . وَقِيلَ : إِنَّمَا قَدَّمَ ذِكْر الِاسْتِغْفَار لِأَنَّ الْمَغْفِرَة هِيَ الْغَرَض الْمَطْلُوب , وَالتَّوْبَة هِيَ السَّبَب إِلَيْهَا ; فَالْمَغْفِرَة أَوَّل فِي الْمَطْلُوب وَآخِر فِي السَّبَب . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى اِسْتَغْفِرُوهُ مِنْ الصَّغَائِر , وَتُوبُوا إِلَيْهِ مِنْ الْكَبَائِر .
جُزِمَ لِأَنَّهُ جَوَاب وَفِيهِ مَعْنَى الْمُجَازَاة .
نُصِبَ عَلَى الْحَال , وَفِيهِ مَعْنَى التَّكْثِير ; أَيْ يُرْسِل السَّمَاء بِالْمَطَرِ مُتَتَابِعًا يَتْلُو بَعْضه بَعْضًا ; وَالْعَرَب تَحْذِف الْهَاء فِي مِفْعَال عَلَى النَّسَب ; وَأَكْثَر مَا يَأْتِي مِفْعَال مِنْ أَفْعَلَ , وَقَدْ جَاءَ هَاهُنَا مِنْ فَعَّلَ ; لِأَنَّهُ مِنْ دَرَّتْ السَّمَاء تَدِرّ وَتَدُرّ فَهِيَ مِدْرَار . وَكَانَ قَوْم هُود - أَعْنِي عَادًا - أَهْل بَسَاتِين وَزُرُوع وَعِمَارَة , وَكَانَتْ مَسَاكِنهمْ الرِّمَال الَّتِي بَيْن الشَّام وَالْيَمَن كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْأَعْرَاف " .
عَطْف عَلَى يُرْسِل .
قَالَ مُجَاهِد : شِدَّة عَلَى شِدَّتكُمْ . الضَّحَّاك . خِصْبًا إِلَى خِصْبكُمْ . عَلِيّ بْن عِيسَى : عِزًّا عَلَى عِزّكُمْ . عِكْرِمَة : وَلَدًا إِلَى وَلَدكُمْ . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه حَبَسَ عَنْهُمْ الْمَطَر وَأَعْقَمَ الْأَرْحَام ثَلَاث سِنِينَ فَلَمْ يُولَد لَهُمْ وَلَد ; فَقَالَ لَهُمْ هُود : إِنْ آمَنْتُمْ أَحْيَا اللَّه بِلَادكُمْ وَرَزَقَكُمْ الْمَال وَالْوَلَد ; فَتِلْكَ الْقُوَّة . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى يَزِدْكُمْ قُوَّة فِي النِّعَم .
أَيْ لَا تُعْرِضُوا عَمَّا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ , وَتُقِيمُوا عَلَى الْكُفْر