طباعة الصفحة | تفسير الطبري - سورة الأنعام - الآية 153

وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) (الأنعام)

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهَذَا الَّذِي وَصَّاكُمْ بِهِ رَبّكُمْ أَيّهَا النَّاس فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ قَوْله : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ } وَأَمَرَكُمْ بِالْوَفَاءِ بِهِ , هُوَ صِرَاطه , يَعْنِي طَرِيقه وَدِينه الَّذِي اِرْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ . { مُسْتَقِيمًا } يَعْنِي : قَوِيمًا لَا اِعْوِجَاج بِهِ عَنْ الْحَقّ . { فَاتَّبِعُوهُ } يَقُول : فَاعْمَلُوا بِهِ , وَاجْعَلُوهُ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْهَاجًا تَسْلُكُونَهُ فَاتَّبِعُوهُ . { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل } يَقُول : وَلَا تَسْلُكُوا طَرِيقًا سِوَاهُ , وَلَا تَرْكَبُوا مَنْهَجًا غَيْره , وَلَا تَبْغُوا دِينًا خِلَافه مِنْ الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة وَالْمَجُوسِيَّة وَعِبَادَة الْأَوْثَان وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمِلَل , فَإِنَّهَا بِدَع وَضَلَالَات . { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } يَقُول : فَيُشَتِّت بِكُمْ إِنْ اِتَّبَعْتُمْ السُّبُل الْمُحْدَثَة الَّتِي لَيْسَتْ لِلَّهِ بِسُبُلٍ وَلَا طَلَاق وَلَا أَدْيَان , اِتِّبَاعكُمْ عَنْ سَبِيله , يَعْنِي : عَنْ طَرِيقه وَدِينه الَّذِي شَرَعَهُ لَكُمْ وَارْتَضَاهُ , وَهُوَ الْإِسْلَام الَّذِي وَصَّى بِهِ الْأَنْبِيَاء وَأَمَرَ بِهِ الْأُمَم قَبْلكُمْ . { ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : هَذَا الَّذِي وَصَّاكُمْ بِهِ رَبّكُمْ مِنْ قَوْله لَكُمْ : إِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل ; وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ , يَقُول : لِتَتَّقُوا اللَّه فِي أَنْفُسكُمْ فَلَا تُهْلِكُوهَا , وَتَحْذَرُوا رَبّكُمْ فِيهَا فَلَا تَسْخَطُوهُ عَلَيْهَا فَيَحِلّ بِكُمْ نِقْمَته وَعَذَابه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11023 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } قَالَ : الْبِدَع وَالشُّبُهَات . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَة , عَنْ شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل } : الْبِدَع وَالشُّبُهَات . 11024 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنَا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } , وَقَوْله : { وَأَقِيمُوا الدِّين وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } وَنَحْو هَذَا فِي الْقُرْآن , قَالَ : أَمَرَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَمَاعَةِ وَنَهَاهُمْ عَنْ الِاخْتِلَاف وَالْفُرْقَة , وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلهمْ بِالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَات فِي دِين اللَّه . 11025 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } يَقُول : لَا تَتَّبِعُوا الضَّلَالَات . 11026 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي وَائِل , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : خَطَّ لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطًّا , فَقَالَ : " هَذَا سَبِيل اللَّه " ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِين ذَلِكَ الْخَطّ وَعَنْ شِمَاله خُطُوطًا , فَقَالَ : " هَذِهِ سُبُل عَلَى كُلّ سَبِيل مِنْهَا شَيْطَان يَدْعُو إِلَيْهَا " . ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } . 11027 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } قَالَ : سَبِيله الْإِسْلَام , وَصِرَاطه : الْإِسْلَام . نَهَاهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوا السُّبُل سِوَاهُ , { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } : عَنْ الْإِسْلَام . 11028 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ أَبَان : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ مَسْعُود : مَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم ؟ قَالَ : تَرَكَنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَدْنَاهُ , وَطَرَفه فِي الْجَنَّة , وَعَنْ يَمِينه جَوَاد , وَعَنْ يَسَاره جَوَاد , وَثَمَّ رِجَال يَدْعُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ , فَمَنْ أَخَذَ فِي تِلْكَ الْجَوَاد اِنْتَهَتْ بِهِ إِلَى النَّار , وَمَنْ أَخَذَ عَلَى الصِّرَاط اِنْتَهَى بِهِ إِلَى الْجَنَّة . ثُمَّ قَرَأَ اِبْن مَسْعُود : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا } . .. الْآيَة . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : { وَأَنَّ } بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَنَّ " , وَتَشْدِيد النُّون , رَدَّا عَلَى قَوْله : { أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } بِمَعْنَى : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : " وَإِنَّ " بِكَسْرِ الْأَلِف مِنْ " إِنَّ " , وَتَشْدِيد النُّون مِنْهَا عَلَى الِابْتِدَاء وَانْقِطَاعهَا عَنْ الْأَوَّل ; إِذْ كَانَ الْكَلَام قَدْ اِنْتَهَى بِالْخَبَرِ عَنْ الْوَصِيَّة الَّتِي أَوْصَى اللَّه بِهَا عِبَاده دُونَهُ عِنْدَهُمْ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي : أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار وَعَوَامّ الْمُسْلِمِينَ صَحِيح مَعْنَيَاهُمَا , فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئ فَهُوَ مُصِيب الْحَقّ فِي قِرَاءَته . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْرهُ قَدْ أَمَرَ بِاتِّبَاعِ سَبِيله , كَمَا أَمَرَ عِبَاده بِالْأَشْيَاءِ . وَإِنْ أَدْخَلَ ذَلِكَ مُدْخِلٌ فِيمَا أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لِلْمُشْرِكِينَ : { تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ } وَمَا أَمَرَكُمْ بِهِ , فَفَتَحَ عَلَى ذَلِكَ " أَنَّ " فَمُصِيب . وَإِنْ كَسَرَهَا إِذْ كَانَتْ " التِّلَاوَة " قَوْلًا وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ لَفْظ الْقَوْل لِبُعْدِهَا مِنْ قَوْله : " أَتْلُ " , وَهُوَ يُرِيد إِعْمَال ذَلِكَ فِيهِ فَمُصِيب . وَإِنْ كَسَرَهَا بِمَعْنَى اِبْتِدَاء وَانْقِطَاع عَنْ الْأَوَّل " وَالتِّلَاوَة " , وَأَنَّ مَا أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلَاوَتِهِ عَلَى مَنْ أُمِرَ بِتِلَاوَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَدْ اِنْتَهَى دُون ذَلِكَ , فَمُصِيب . وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي إِسْحَاق الْبَصْرِيّ : " وَأَنَّ " . بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَنْ " , وَتَخْفِيف النُّون مِنْهَا , بِمَعْنَى : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَأَنْ هَذَا صِرَاطِي فَخَفَّفَهَا ; إِذْ كَانَتْ " أَنْ " فِي قَوْله : { أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } مُخَفَّفَة , وَكَانَتْ " أَنْ " فِي قَوْله : { وَأَنْ هَذَا صِرَاطِي } مَعْطُوفَة عَلَيْهَا , فَجَعَلَهَا نَظِيرَة مَا عُطِفَتْ عَلَيْهِ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا , فَلَا أُحِبّ الْقِرَاءَة بِهِ لِشُذُوذِهَا عَنْ قِرَاءَة قُرَّاء الْأَمْصَار وَخِلَاف مَا هُمْ عَلَيْهِ فِي أَمْصَارِهِمْ .

21/5/2026 2:04:59
المصدر: https://wahaqouran.com/t-6-3-153.html