وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4) (النساء)
الصَّدُقَات جَمْع , الْوَاحِدَة صَدَقَة . قَالَ الْأَخْفَش : وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ صَدَقَة وَالْجَمْع صَدُقَات , وَإِنْ شِئْت فَتَحْت وَإِنْ شِئْت أَسْكَنْت . قَالَ الْمَازِنِيّ : يُقَال صِدَاق الْمَرْأَة بِالْكَسْرِ , وَلَا يُقَال بِالْفَتْحِ . وَحَكَى يَعْقُوب وَأَحْمَد بْن يَحْيَى بِالْفَتْحِ عَنْ النَّحَّاس . وَالْخِطَاب فِي هَذِهِ الْآيَة لِلْأَزْوَاجِ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَابْن زَيْد وَابْن جُرَيْج . أَمَرَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِأَنْ يَتَبَرَّعُوا بِإِعْطَاءِ الْمُهُور نِحْلَة مِنْهُمْ لِأَزْوَاجِهِمْ . وَقِيلَ : الْخِطَاب لِلْأَوْلِيَاءِ ; قَالَهُ أَبُو صَالِح . وَكَانَ الْوَلِيّ يَأْخُذ مَهْر الْمَرْأَة وَلَا يُعْطِيهَا شَيْئًا , فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَأُمِرُوا أَنْ يَدْفَعُوا ذَلِكَ إِلَيْهِنَّ . قَالَ فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ : أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانَ الْوَلِيّ إِذَا زَوَّجَهَا فَإِنْ كَانَتْ مَعَهُ فِي الْعِشْرَة لَمْ يُعْطِهَا مِنْ مَهْرِهَا كَثِيرًا وَلَا قَلِيلًا , وَإِنْ كَانَتْ غَرِيبَة حَمَلَهَا عَلَى بَعِيرٍ إِلَى زَوْجِهَا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ الْبَعِير ; فَنَزَلَ : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة " . وَقَالَ الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِيهِ : زَعَمَ حَضْرَمِيّ أَنَّ الْمُرَاد بِالْآيَةِ الْمُتَشَاغِرُونَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَزَوَّجُونَ اِمْرَأَةً بِأُخْرَى , فَأُمِرُوا أَنْ يَضْرِبُوا الْمُهُور . وَالْأَوَّل أَظْهَر ; فَإِنَّ الضَّمَائِرَ وَاحِدَةٌ وَهِيَ بِجُمْلَتِهَا لِلْأَزْوَاجِ فَهُمْ الْمُرَاد ; لِأَنَّهُ قَالَ : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى " إِلَى قَوْله : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً " . وَذَلِكَ يُوجِب تَنَاسُق الضَّمَائِر وَأَنْ يَكُون الْأَوَّل فِيهَا هُوَ الْآخِر .
هَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى وُجُوب الصَّدَاق لِلْمَرْأَةِ , وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَا خِلَاف فِيهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم مِنْ أَهْل الْعِرَاق أَنَّ السَّيِّد إِذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ أَنَّهُ لَا يَجِب فِيهِ صَدَاق ; وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة " فَعَمَّ . وَقَالَ : " فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " [ النِّسَاء : 25 ] . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء أَيْضًا أَنَّهُ لَا حَدَّ لِكَثِيرِهِ , وَاخْتَلَفُوا فِي قَلِيلِهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي قَوْله : " وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا " [ النِّسَاء : 20 ] . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " صَدُقَاتِهِنَّ " بِفَتْحِ الصَّاد وَضَمِّ الدَّالِ . وَقَرَأَ قَتَادَة " صُدْقَاتِهِنَّ " بِضَمِّ الصَّاد وَسُكُون الدَّال . وَقَرَأَ النَّخَعِيّ وَابْن وَثَّاب بِضَمِّهِمَا وَالتَّوْحِيد " صُدُقَتَهُنَّ "
النِّحْلَة وَالنُّحْلَة , بِكَسْرِ النُّون وَضَمِّهَا لُغَتَانِ . وَأَصْلهَا مِنْ الْعَطَاء ; نَحَلْت فُلَانًا شَيْئًا أَعْطَيْته . فَالصَّدَاق عَطِيَّة مِنْ اللَّه تَعَالَى لِلْمَرْأَةِ . وَقِيلَ : " نِحْلَة " أَيْ عَنْ طِيبِ نَفْس مِنْ الْأَزْوَاج مِنْ غَيْر تَنَازُعٍ . وَقَالَ قَتَادَة : مَعْنَى " نِحْلَة " فَرِيضَة وَاجِبَة . اِبْن جُرَيْج وَابْن زَيْد : فَرِيضَة مُسَمَّاة . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَلَا تَكُون النِّحْلَة إِلَّا مُسَمَّاة مَعْلُومَة . وَقَالَ الزَّجَّاج : " نِحْلَة " تَدَيُّنًا . وَالنِّحْلَة الدِّيَانَة وَالْمِلَّة . يُقَال . هَذَا نِحْلَتُهُ أَيْ دِينُهُ . وَهَذَا يَحْسُنُ مَعَ كَوْن الْخِطَاب لِلْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة , حَتَّى قَالَ بَعْض النِّسَاء فِي زَوْجهَا : لَا يَأْخُذُ الْحُلْوَانَ مِنْ بَنَاتِنَا تَقُول : لَا يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ . فَانْتَزَعَهُ اللَّه مِنْهُمْ وَأَمَرَ بِهِ لِلنِّسَاءِ . و " نِحْلَة " مَنْصُوبَة عَلَى أَنَّهَا حَال مِنْ الْأَزْوَاج بِإِضْمَارِ فِعْل مِنْ لَفْظِهَا تَقْدِيره اِنْحَلُوهُنَّ نِحْلَة . وَقِيلَ : هِيَ نَصْب وَقِيلَ عَلَى التَّفْسِير . وَقِيلَ : هِيَ مَصْدَر عَلَى غَيْر الصَّدْر فِي مَوْضِع الْحَال .
مُخَاطَبَة لِلْأَزْوَاجِ , وَيَدُلّ بِعُمُومِهِ عَلَى أَنَّ هِبَة الْمَرْأَة صَدَاقهَا لِزَوْجِهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا جَائِزَة ; وَبِهِ قَالَ جُمْهُور الْفُقَهَاء . وَمَنَعَ مَالِك مِنْ هِبَة الْبِكْرِ الصَّدَاقَ لِزَوْجِهَا وَجَعَلَ ذَلِكَ لِلْوَلِيِّ مَعَ أَنَّ الْمِلْك لَهَا . وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّهُ مُخَاطَبَة لِلْأَوْلِيَاءِ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الصَّدَاق وَلَا يُعْطُونَ الْمَرْأَة مِنْهُ شَيْئًا , فَلَمْ يُبَحْ لَهُمْ مِنْهُ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْس الْمَرْأَة . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم لِلْأَوْلِيَاءِ ذِكْر , وَالضَّمِير فِي " مِنْهُ " عَائِد عَلَى الصَّدَاق . وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَة وَغَيْره . وَسَبَب الْآيَة فِيمَا ذُكِرَ أَنَّ قَوْمًا تَحَرَّجُوا أَنْ يَرْجِع إِلَيْهِمْ شَيْءٌ مِمَّا دَفَعُوهُ إِلَى الزَّوْجَات فَنَزَلَتْ " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ " .
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة الْمَالِكَة لِأَمْرِ نَفْسهَا إِذَا وَهَبَتْ صَدَاقَهَا لِزَوْجِهَا نَفَذَ ذَلِكَ عَلَيْهَا , وَلَا رُجُوعَ لَهَا فِيهِ . إِلَّا أَنَّ شُرَيْحًا رَأَى الرُّجُوع لَهَا فِيهِ , وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ : " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْء مِنْهُ نَفْسًا " وَإِذَا كَانَتْ طَالِبَة لَهُ لَمْ تَطِبْ بِهِ نَفْسًا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا بَاطِل ; لِأَنَّهَا قَدْ طَابَتْ وَقَدْ أَكَلَ فَلَا كَلَام لَهَا ; إِذْ لَيْسَ الْمُرَاد صُورَة الْأَكْل , وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَة عَنْ الْإِحْلَال وَالِاسْتِحْلَال , وَهَذَا بَيِّنٌ .
فَإِنْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ عِنْد عَقْد النِّكَاح أَلَّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا , وَحَطَّتْ عَنْهُ لِذَلِكَ شَيْئًا مِنْ صَدَاقهَا , ثُمَّ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَلَا شَيْء لَهَا عَلَيْهِ فِي رِوَايَة اِبْن الْقَاسِم ; لِأَنَّهَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ مَا لَا يَجُوز شَرْطُهُ . كَمَا اِشْتَرَطَ أَهْل بَرِيرَة أَنْ تُعْتِقَهَا عَائِشَة وَالْوَلَاء لِبَائِعِهَا , فَصَحَّحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَقْد وَأَبْطَلَ الشَّرْط . كَذَلِكَ هَهُنَا يَصِحّ إِسْقَاط بَعْض الصَّدَاق عَنْهُ وَتَبْطُل الزِّيجَة . قَالَ اِبْن عَبْد الْحَكَم : إِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ صَدَاقهَا مِثْل صَدَاق مِثْلهَا أَوْ أَكْثَر لَمْ تَرْجِع عَلَيْهِ بِشَيْءٍ , وَإِنْ كَانَتْ وَضَعَتْ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ صَدَاقهَا فَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِتَمَامِ صَدَاق مِثْلهَا ; لِأَنَّهُ شَرَطَ عَلَى نَفْسه شَرْطًا وَأَخَذَ عَنْهُ عِوَضًا كَانَ لَهَا وَاجِبًا أَخَذَهُ مِنْهُ , فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاء لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شُرُوطِهِمْ ) .
وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعِتْق لَا يَكُون صَدَاقًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ ; إِذْ لَا يُمْكِنُ لِلْمَرْأَةِ هِبَتُهُ وَلَا الزَّوْجِ أَكْلُهُ . وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَزُفَر وَمُحَمَّد وَالشَّافِعِيّ . وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب : يَكُون صَدَاقًا وَلَا مَهْر لَهَا غَيْر الْعِتْق ; عَلَى حَدِيث صَفِيَّة - رَوَاهُ الْأَئِمَّة - أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَهَا وَجَعَلَ عِتْقهَا صَدَاقهَا . وَرُوِيَ عَنْ أَنَس أَنَّهُ فَعَلَهُ , وَهُوَ رَاوِي حَدِيث صَفِيَّة . وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنْ قَالُوا : لَا حُجَّة فِي حَدِيث صَفِيَّة ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَخْصُوصًا فِي النِّكَاح بِأَنْ يَتَزَوَّج بِغَيْرِ صَدَاق , وَقَدْ أَرَادَ زَيْنَب فَحَرُمَتْ عَلَى زَيْد فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا صَدَاق . فَلَا يَنْبَغِي الِاسْتِدْلَال بِمِثْلِ هَذَا ; وَاَللَّه أَعْلَم .
قِيلَ : هُوَ مَنْصُوب عَلَى الْبَيَان . وَلَا يُجِيز سِيبَوَيْهِ وَلَا الْكُوفِيُّونَ أَنْ يَتَقَدَّم مَا كَانَ مَنْصُوبًا عَلَى الْبَيَان , وَأَجَازَ ذَلِكَ الْمَازِنِيّ وَأَبُو الْعَبَّاس الْمُبَرِّد إِذَا كَانَ الْعَامِل فِعْلًا . وَأَنْشَدَ : وَمَا كَانَ نَفْسًا بِالْفِرَاقِ تَطِيبُ وَفِي التَّنْزِيل " خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ " [ الْقَمَر : 7 ] فَعَلَى هَذَا يَجُوز " شَحْمًا تَفَقَّأْت . وَوَجْهًا حَسُنْت " . وَقَالَ أَصْحَاب سِيبَوَيْهِ : إِنَّ " نَفْسًا " مَنْصُوبَة بِإِضْمَارِ فِعْل تَقْدِيره أَعْنِي نَفْسًا , وَلَيْسَتْ مَنْصُوبَة عَلَى التَّمْيِيز ; وَإِذَا كَانَ هَذَا فَلَا حُجَّة فِيهِ . وَقَالَ الزَّجَّاج . الرِّوَايَة : وَمَا كَانَ نَفْسِي ... وَاتَّفَقَ الْجَمِيع عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز تَقْدِيم الْمُمَيَّز إِذَا كَانَ الْعَامِل غَيْر مُتَصَرِّف كَعِشْرِينَ دِرْهَمًا .
لَيْسَ الْمَقْصُود صُورَة الْأَكْل , وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِهِ الِاسْتِبَاحَة بِأَيِّ طَرِيق كَانَ , وَهُوَ الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ فِي الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا " [ النِّسَاء : 10 ] . وَلَيْسَ الْمُرَاد نَفْس الْأَكْل ; إِلَّا أَنَّ الْأَكْل لَمَّا كَانَ أَوْفَى أَنْوَاع التَّمَتُّع بِالْمَالِ عُبِّرَ عَنْ التَّصَرُّفَات بِالْأَكْلِ . وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى : " إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْم الْجُمْعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْر اللَّه وَذَرُوا الْبَيْع " [ الْجُمُعَة : 9 ] يُعْلَم أَنَّ صُورَة الْبَيْع غَيْر مَقْصُودَة , وَإِنَّمَا الْمَقْصُود مَا يَشْغَلهُ عَنْ ذِكْر اللَّه تَعَالَى مِثْل النِّكَاح وَغَيْره ; وَلَكِنْ ذَكَرَ الْبَيْعَ لِأَنَّهُ أَهَمُّ مَا يُشْتَغَل بِهِ عَنْ ذِكْر اللَّه تَعَالَى .
مَنْصُوب عَلَى الْحَال مِنْ الْهَاء فِي " كُلُوهُ " وَقِيلَ : نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ , أَيْ أَكْلًا هَنِيئًا بِطِيبِ الْأَنْفُس . هَنَّأَهُ الطَّعَام وَالشَّرَاب يَهْنَؤُهُ , وَمَا كَانَ هَنِيئًا ; وَلَقَدْ هَنُؤَ , وَالْمَصْدَر الْهَنْء . وَكُلّ مَا لَمْ يَأْتِ بِمَشَقَّةٍ وَلَا عَنَاء فَهُوَ هَنِيءٌ . وَهَنِيء اِسْم فَاعِل مِنْ هَنُؤَ كَظَرِيفِ مِنْ ظَرُفَ . وَهَنِئَ يَهْنَأ فَهُوَ هَنِئٌ عَلَى فَعِل كَزَمِنٍ . وَهَنَّأَنِي الطَّعَام وَمَرَّأَنِي عَلَى الْإِتْبَاع ; فَإِذَا لَمْ يُذْكَر " هَنَّأَنِي " قُلْت : أَمْرَأَنِي الطَّعَام بِالْأَلِفِ , أَيْ اِنْهَضَمَ . قَالَ أَبُو عَلِيّ : وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث ( اِرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ ) . فَقَلَبُوا الْوَاوَ مِنْ " مَوْزُورَات " أَلِفًا إِتْبَاعًا لِلَفْظِ مَأْجُورَات . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : يُقَال هَنِيء وَهَنَّأَنِي وَمَرَّأَنِي وَأَمْرَأَنِي وَلَا يُقَال مَرِئَنِي ; حَكَاهُ الْهَرَوِيّ . وَحَكَى الْقُشَيْرِيّ أَنَّهُ يُقَال : هَنِئَنِي وَمَرِئَنِي بِالْكَسْرِ يَهْنَأنِي وَيَمْرَأُنِي , وَهُوَ قَلِيل . وَقِيلَ : " هَنِيئًا " لَا إِثْمَ فِيهِ , و " مَرِيئًا " لَا دَاءَ فِيهِ . قَالَ كُثَيِّر : هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ لِعَزَّةَ مِنْ أَعْرَاضِنَا مَا اِسْتَحَلَّتِ وَدَخَلَ رَجُل عَلَى عَلْقَمَة وَهُوَ يَأْكُل شَيْئًا وَهَبَتْهُ اِمْرَأَتُهُ مِنْ مَهْرِهَا فَقَالَ لَهُ : كُلْ مِنْ الْهَنِيءِ الْمَرِيءِ . وَقِيلَ : الْهَنِيءُ الطَّيِّب الْمَسَاغ الَّذِي لَا يُنَغِّصُهُ شَيْءٌ , وَالْمَرِيءُ الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَة , التَّامّ الْهَضْم الَّذِي لَا يَضُرّ وَلَا يُؤْذِي . يَقُول : لَا تَخَافُونَ فِي الدُّنْيَا بِهِ مُطَالَبَةً , وَلَا فِي الْآخِرَة تَبِعَةً . يَدُلّ عَلَيْهِ مَا رَوَى اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ " فَقَالَ : ( إِذَا جَادَتْ لِزَوْجِهَا بِالْعَطِيَّةِ طَائِعَة غَيْر مُكْرَهَة لَا يَقْضِي بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَان , وَلَا يُؤَاخِذكُمْ اللَّه تَعَالَى بِهِ فِي الْآخِرَة ) وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : ( إِذَا اِشْتَكَى أَحَدكُمْ شَيْئًا فَلْيَسْأَلْ اِمْرَأَتَهُ دِرْهَمًا مِنْ صَدَاقِهَا ثُمَّ لِيَشْتَرِ بِهِ عَسَلًا فَلْيَشْرَبْهُ بِمَاءِ السَّمَاء ; فَيَجْمَع اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ الْهَنِيء وَالْمَرِيء وَالْمَاء الْمُبَارَك ) . وَاَللَّه أَعْلَم .