لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60) (النحل)
أَيْ لِهَؤُلَاءِ الْوَاصِفِينَ لِلَّهِ الْبَنَات
أَيْ صِفَة السَّوْء مِنْ الْجَهْل وَالْكُفْر . وَقِيلَ : هُوَ وَصْفهمْ اللَّه تَعَالَى بِالصَّاحِبَةِ وَالْوَلَد . وَقِيلَ : أَيْ الْعَذَاب وَالنَّار .
أَيْ الْوَصْف الْأَعْلَى مِنْ الْإِخْلَاص وَالتَّوْحِيد ; قَالَهُ قَتَادَة . وَقِيلَ : أَيْ الصِّفَة الْعُلْيَا بِأَنَّهُ خَالِق رَازِق قَادِر وَمُجَازٍ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : " مَثَل السَّوْء " النَّار , و " الْمَثَل الْأَعْلَى " شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَقِيلَ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء . وَقِيلَ : " وَلِلَّهِ الْمَثَل الْأَعْلَى " كَقَوْلِهِ : " اللَّه نُور السَّمَوَات وَالْأَرْض مَثَل نُوره " [ النُّور : 35 ] . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ أَضَافَ الْمَثَل هُنَا إِلَى نَفْسه وَقَدْ قَالَ : " فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال " [ النَّحْل : 74 ] فَالْجَوَاب أَنَّ قَوْله : " فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال " أَيْ الْأَمْثَال الَّتِي تُوجِب الْأَشْبَاه وَالنَّقَائِص ; أَيْ لَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ مَثَلًا يَقْتَضِي نَقْصًا وَتَشْبِيهًا بِالْخَلْقِ . وَالْمَثَل الْأَعْلَى وَصْفه بِمَا لَا شَبِيه لَهُ وَلَا نَظِير , جَلَّ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
" الْعَزِيز " مَعْنَاهُ الْمَنِيع الَّذِي لَا يُنَال وَلَا يُغَالَب . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يُعْجِزهُ شَيْء ; دَلِيله : " وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعْجِزهُ مِنْ شَيْء فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الْأَرْض " . [ فَاطِر : 44 ] . الْكِسَائِيّ : " الْعَزِيز " الْغَالِب ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَعَزَّنِي فِي الْخِطَاب " [ ص : 23 ] وَفِي الْمَثَل : { مَنْ عَزَّ بَزَّ } أَيْ مَنْ غَلَبَ سَلَبَ . وَقِيلَ : " الْعَزِيز " الَّذِي لَا مِثْل لَهُ ; بَيَانه " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " [ الشُّورَى : 11 ] .
" الْحَكِيم " مَعْنَاهُ الْحَاكِم , وَبَيْنهمَا مَزِيد الْمُبَالَغَة . وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْمُحْكِم وَيَجِيء الْحَكِيم عَلَى هَذَا مِنْ صِفَات الْفِعْل , صُرِفَ عَنْ مُفْعِل إِلَى فَعِيل , كَمَا صُرِفَ عَنْ مُسْمِع إِلَى سَمِيع وَمُؤْلِم إِلَى أَلِيم , قَالَهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ . وَقَالَ قَوْم : الْمَانِع مِنْ الْفَسَاد , وَمِنْهُ سُمِّيَتْ حَكَمَة اللِّجَام , لِأَنَّهَا تَمْنَع الْفَرَس مِنْ الْجَرْي وَالذَّهَاب فِي غَيْر قَصْد . قَالَ جَرِير : أَبَنِي حَنِيفَة أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا أَيْ اِمْنَعُوهُمْ مِنْ الْفَسَاد . وَقَالَ زُهَيْر : الْقَائِد الْخَيْل مَكْنُوبًا دَوَابِرُهَا قَدْ أُحْكِمَتْ حَكَمَات الْقِدّ وَالْأَبَقَا الْقِدّ : الْجِلْد . وَالْأَبَق : الْقُنَّب . وَالْعَرَب تَقُول : أُحْكِمَ الْيَتِيم عَنْ كَذَا وَكَذَا , يُرِيدُونَ مَنْعَهُ . وَالسُّورَة الْمُحْكَمَة : الْمَمْنُوعَة مِنْ التَّغْيِير وَكُلّ التَّبْدِيل , وَأَنْ يُلْحَق بِهَا مَا يَخْرُج عَنْهَا , وَيُزَاد عَلَيْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا , وَالْحِكْمَة مِنْ هَذَا , لِأَنَّهَا تَمْنَع صَاحِبهَا مِنْ الْجَهْل . وَيُقَال : أَحْكَمَ الشَّيْء إِذَا أَتْقَنَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ الْخُرُوج عَمَّا يُرِيد . فَهُوَ مُحْكِم وَحَكِيم عَلَى التَّكْثِير .