طباعة الصفحة | تفسير القرطبي - سورة الحجر - الآية 60

إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا ۙ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60) (الحجر)

" إِلَّا اِمْرَأَته " اِسْتَثْنَى مِنْ آل لُوط اِمْرَأَته وَكَانَتْ كَافِرَة فَالْتَحَقَتْ بِالْمُجْرِمِينَ فِي الْهَلَاك . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّة قَوْم لُوط فِي " الْأَعْرَاف " وَسُورَة " هُود " بِمَا فِيهِ كِفَايَة . " قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ " أَيْ قَضَيْنَا وَكَتَبْنَا إِنَّهَا لَمِنْ الْبَاقِينَ فِي الْعَذَاب . وَالْغَابِر : الْبَاقِي . قَالَ : لَا تَكْسَع الشَّوْل بِأَغْبَارِهَا إِنَّك لَا تَدْرِي مَنْ النَّاتِج الْأَغْبَار بَقَايَا اللَّبَن . وَقَرَأَ أَبُو بَكْر وَالْمُفَضَّل " قَدَرْنَا " بِالتَّخْفِيفِ هُنَا وَفِي النَّمْل , وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ . الْهَرَوِيّ : يُقَال قَدَّرَ وَقَدَرَ , بِمَعْنًى .

لَا خِلَاف بَيْن أَهْل اللِّسَان وَغَيْرهمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاء مِنْ النَّفْي إِثْبَات وَمِنْ الْإِثْبَات نَفْي ; فَإِذَا قَالَ رَجُل : لَهُ عَلَيَّ عَشَرَة دَرَاهِم إِلَّا أَرْبَعَة إِلَّا دِرْهَمًا ; ثَبَتَ الْإِقْرَار بِسَبْعَةٍ ; لِأَنَّ الدِّرْهَم مُسْتَثْنًى مِنْ الْأَرْبَعَة , وَهُوَ مُثْبَت لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ مَنْفِيّ , وَكَانَتْ الْأَرْبَعَة مَنْفِيَّة لِأَنَّهَا مُسْتَثْنَاة مِنْ مُوجِب وَهُوَ الْعَشَرَة , فَعَادَ الدِّرْهَم إِلَى السِّتَّة فَصَارَتْ سَبْعَة . وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : عَلَيَّ خَمْسَة دَرَاهِم إِلَّا دِرْهَم إِلَّا ثُلُثَيْهِ ; كَانَ عَلَيْهِ أَرْبَعَة دَرَاهِم وَثُلُث . وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشَرَة إِلَّا تِسْعَة إِلَّا ثَمَانِيَة إِلَّا سَبْعَة ; كَانَ الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي رَاجِعًا إِلَى مَا قَبْله , وَالثَّالِث إِلَى الثَّانِي فَيَكُون عَلَيْهِ دِرْهَمَانِ ; لِأَنَّ الْعَشَرَة إِثْبَات وَالثَّمَانِيَة إِثْبَات فَيَكُون مَجْمُوعهَا ثَمَانِيَة عَشَر . وَالتِّسْعَة نَفْي وَالسَّبْعَة نَفْي فَيَكُون سِتَّة عَشَر تَسْقُط مِنْ ثَمَانِيَة عَشَر وَيَبْقَى دِرْهَمَانِ , وَهُوَ الْقَدْر الْوَاجِب بِالْإِقْرَارِ لَا غَيْر . فَقَوْله سُبْحَانه : " إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ . إِلَّا آل لُوط إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا اِمْرَأَته " فَاسْتَثْنَى آلَ لُوط مِنْ الْقَوْم الْمُجْرِمِينَ , ثُمَّ قَالَ : " إِلَّا اِمْرَأَته " فَاسْتَثْنَاهَا مِنْ آل لُوط , فَرَجَعَتْ فِي التَّأْوِيل إِلَى الْقَوْم الْمُجْرِمِينَ كَمَا بَيَّنَّا . وَهَكَذَا الْحُكْم فِي الطَّلَاق , لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا اِثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَة طَلُقَتْ اِثْنَتَيْنِ ; لِأَنَّ الْوَاحِدَة رَجَعَتْ إِلَى الْبَاقِي مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهِيَ الثَّلَاث . وَكَذَا كُلّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا فَتَفَهَّمْهُ .

5/7/2026 11:20:05
المصدر: https://wahaqouran.com/t-15-4-60.html