طباعة الصفحة | تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 34

وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) (هود)

أَيْ إِبْلَاغِي وَاجْتِهَادِي فِي إِيمَانكُمْ .


أَيْ لِأَنَّكُمْ لَا تَقْبَلُونَ نُصْحًا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " بَرَاءَة " مَعْنَى النُّصْح لُغَة .


أَيْ يُضِلّكُمْ . وَهَذَا مِمَّا يَدُلّ عَلَى بُطْلَان مَذْهَب الْمُعْتَزِلَة وَالْقَدَرِيَّة وَمَنْ وَافَقَهُمَا ; إِذْ زَعَمُوا أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يُرِيد أَنْ يَعْصِي الْعَاصِي , وَلَا يَكْفُر الْكَافِر , وَلَا يَغْوِي الْغَاوِي ; وَأَنْ يَفْعَل ذَلِكَ , وَاَللَّه لَا يُرِيد ذَلِكَ ; فَرَدَّ اللَّه عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : " إِنْ كَانَ اللَّه يُرِيد أَنْ يُغْوِيكُمْ " . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْفَاتِحَة " وَغَيْرهَا . وَقَدْ أَكْذَبُوا شَيْخهمْ اللَّعِين إِبْلِيس عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي " الْأَعْرَاف " فِي إِغْوَاء اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُ حَيْثُ قَالَ : " فَبِمَا أَغْوَيْتنِي " [ الْأَعْرَاف : 16 ] وَلَا مَحِيص لَهُمْ عَنْ قَوْل نُوح عَلَيْهِ السَّلَام : " إِنْ كَانَ اللَّه يُرِيد أَنْ يُغْوِيكُمْ " فَأَضَافَ إِغْوَاءَهُمْ إِلَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى ; إِذْ هُوَ الْهَادِي وَالْمُضِلّ ; سُبْحَانه عَمَّا يَقُول الْجَاحِدُونَ وَالظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَقِيلَ : " أَنْ يُغْوِيكُمْ " يُهْلِككُمْ ; لِأَنَّ الْإِضْلَال يُفْضِي إِلَى الْهَلَاك . الطَّبَرِيّ : " يُغْوِيكُمْ " يُهْلِككُمْ بِعَذَابِهِ ; حُكِيَ عَنْ طَيِّئ أَصْبَحَ فُلَان غَاوِيًا أَيْ مَرِيضًا , وَأَغْوَيْته أَهْلَكْته ; وَمِنْهُ " فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا " . [ مَرْيَم : 59 ] .


فَإِلَيْهِ الْإِغْوَاء , وَإِلَيْهِ الْهِدَايَة .


تَهْدِيد وَوَعِيد .

5/7/2026 3:43:27
المصدر: https://wahaqouran.com/t-11-4-34.html